إنقاذ العمل الخيري من البيروقراطية - جمعية الشام لرعاية الأيتام

إنقاذ العمل الخيري من البيروقراطية

إنقاذ العمل الخيري من البيروقراطية

31-03-2026

إنقاذ العمل الخيري من البيروقراطية
 
حين تتأخر الرحمة خلف الأوراق
 
خطاب من القلب إلى الجهات المنظمة للعمل الخيري
 
من أجل حماية روح الرحمة وصيانة حقوق المحتاجين والمستفيدين
 
خطاب موجه إلى الجهات المنظمة والمشرفة على قطاع العمل الخيري والإنساني…
 
 
ليس العمل الخيري في مجتمعاتنا مجرد نشاط إداري أو قطاع خدمي يُدار باللوائح والأنظمة فحسب، بل هو أحد أعمدة التكافل الاجتماعي التي قامت عليها حضارتنا وقيمنا. وهو الامتداد الحيّ لمعاني الرحمة والتراحم التي رسخها الإسلام في وجدان الأمة، حين جعل مدّ يد العون للمحتاجين عبادة، وجعل السعي في قضاء حوائج الناس من أعظم أبواب الخير.
 
وعلى امتداد التاريخ، كان العمل الخيري سنداً للفقراء والأيتام والأرامل والمحتاجين، ولها دور بالغ الأثر في التخفيف من معاناة الفقراء والأيتام والأرامل والمحتاجين، وسدّ الكثير من الثغرات الإنسانية التي قد تعجز المؤسسات الرسمية أحياناً عن الوصول إليها بالسرعة المطلوبة. فهو رسالة إنسانية عظيمة تقوم على الرحمة والتعاون والتراحم بين الناس، وقد جعل الإسلام مساعدة المحتاجين والوقوف إلى جانب الضعفاء عبادة عظيمة يتقرب بها الإنسان إلى الله تعالى.
 
ولا شك أن جهودكم في تنظيم هذا القطاع وضبطه هي جهود مشكورة ومقدّرة، لما لها من دور في حماية الأموال الخيرية وضمان الشفافية في إدارتها ومنع الاستغلال أو الفوضى. غير أن الواقع الميداني الذي يلمسه كثير من العاملين في المجال الإنساني يشير إلى ظاهرة تستحق المراجعة، وهي تضخم الإجراءات والبيروقراطية إلى حد قد يبطئ أحياناً وصول الرحمة إلى مستحقيها.
 
إن الحاجة الإنسانية لا تنتظر الإجراءات الطويلة.
 
فالفقير الذي يواجه برد الشتاء يحتاج المساعدة في الشتاء، لا بعد انتهائه.
 
والطفل الذي يبدأ عامه الدراسي يحتاج أدواته في أول يوم، لا بعد مرور نصف الفصل.
 
لكن ما يحدث في بعض الحالات أن المشاريع الخيرية تتأخر بسبب تعدد الإجراءات والاشتراطات والنماذج والتقارير، حتى تصل المساعدة أحياناً بعد أن يفوت وقت الحاجة الفعلية لها، فيفقد العمل الخيري جزءاً من قيمته الإنسانية، ويشعر المستفيدون بأن حقوقهم تأخرت بسبب تعقيدات إدارية لا علاقة لهم بها.
 
كما أن كثرة النماذج والتقارير والإجراءات التفصيلية تستهلك جزءاً كبيراً من وقت العاملين في الجمعيات والمؤسسات الخيرية، فيتحول جزء من الجهد من خدمة الميدان والتواصل مع المحتاجين إلى متابعة الأوراق والملفات، بينما المحتاج ينتظر من يمد له يد العون.
 
ولا يقتصر أثر ذلك على المستفيدين فحسب، بل قد يؤثر أيضاً على المتبرعين والداعمين الذين يرغبون في رؤية أثر عطائهم بسرعة ووضوح، كما قد يثقل كاهل الجمعيات الصغيرة والمبادرات المجتمعية التي تمثل في كثير من الأحيان الخط الأول للوصول إلى الفئات الأشد حاجة.
 
وفي مثل هذه الحالات يبرز سؤال مؤلم:
 
هل أصبحت الأنظمة تخدم العمل الخيري…
 
أم أصبح العمل الخيري يخدم الأنظمة؟
 
حين نتأمل التاريخ
عندما ننظر إلى تاريخ الحضارة الإسلامية نجد أن العمل الخيري لم يكن نشاطاً هامشياً، بل كان مؤسسة حضارية متكاملة. فقد قام المجتمع الإسلامي عبر قرون طويلة على منظومة الأوقاف التي شكلت أحد أعظم نماذج التكافل الاجتماعي في التاريخ.
 
فقد انتشرت الأوقاف في مختلف المدن الإسلامية لتغطي احتياجات الناس المتنوعة، فكان هناك أوقاف لرعاية الأيتام والفقراء، وأوقاف لإطعام المحتاجين والمسافرين، وأوقاف لعلاج المرضى، وأخرى لتعليم الطلاب، ولأبناء السبيل، بل وحتى أوقاف مخصصة لإطعام الحيوانات ورعاية الطيور.
 
وذكر المؤرخون أن بعض الأوقاف كانت مخصصة لتزويج الفقراء، أو شراء الدواء للمحتاجين، أو إصلاح الطرق، أو توفير الماء للمارة.
 
وكان اللافت في هذه التجربة الحضارية أن الوقف كان يعمل بمرونة وسرعة في خدمة الناس، فلم تكن البيروقراطية المعقدة تعيق وصول الخير إلى المحتاجين، لأن الهدف كان واضحاً: خدمة الإنسان وتخفيف معاناته.
 
فلم تكن البيروقراطية المعقدة تقف بين المحتاج وبين حقه في العون.، لذلك استطاعت منظومة الوقف عبر قرون طويلة أن تسهم في بناء مجتمع متكافل يشعر فيه الفقير أن المجتمع يقف إلى جانبه في أوقات الحاجة.
 
مع تطور الأنظمة الإدارية والتنظيمية، أصبح من الضروري تنظيم العمل الخيري وضبطه لضمان الشفافية وحماية الأموال الخيرية. لكن المشكلة تظهر عندما تتحول الإجراءات إلى عائق يبطئ وصول المساعدة إلى المحتاجين.
 
فالمحتاج لا يملك رفاهية الانتظار الطويل، والعمل الإنساني بطبيعته قائم على سرعة الاستجابة وتلبية الحاجات في وقتها.
 
وقد حضّ ديننا الحنيف على المبادرة في قضاء حاجات الناس، قال الله تعالى:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.
 
وقال رسول الله ﷺ: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
 
وقال ﷺ: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
 
وقال ﷺ: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته".
 
وقال ﷺ: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس".
 
وقال ﷺ: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله".
 
وهذه النصوص وغيرها تؤكد أن روح العمل الخيري في الإسلام قائمة على الرحمة وسرعة الإغاثة وتلبية حاجات الناس.
 
نحو تنظيم يخدم الإنسان
إن الدعوة إلى مراجعة بعض الإجراءات لا تعني الدعوة إلى الفوضى أو إلغاء الرقابة، فالتنظيم ضرورة لحماية المال الخيري وضمان الشفافية. لكن التنظيم الناجح هو الذي يحقق التوازن بين الحماية والمرونة.
فالعمل الإنساني يحتاج إلى:
 
تنظيم يحمي المال الخيري…
ومرونة تضمن وصوله إلى المحتاجين في الوقت المناسب.
 
ومن هنا فإن تطوير منظومة العمل الخيري ينبغي أن يركز على تحقيق هذا التوازن، ومن خطوات يمكن أن تساهم في تحقيق هذا التوازن:
 
أولاً: تبسيط الإجراءات الإدارية من خلال تقليل النماذج والاشتراطات غير الضرورية التي تثقل العمل الخيري دون أن تضيف قيمة حقيقية للرقابة.
 
ثانياً: تسريع إجراءات الموافقات للمشاريع الإنسانية العاجلة، خصوصاً المشاريع المرتبطة بالإغاثة الموسمية مثل مساعدات الشتاء أو المشاريع التعليمية.
 
ثالثاً: منح الجمعيات الميدانية مرونة أكبر في التنفيذ، لأنها الأقرب إلى واقع المجتمعات والأقدر على تقدير احتياجاتها الفعلية.
 
رابعاً: التركيز على الأثر الإنساني الحقيقي للمشاريع، بدلاً من التركيز المفرط على الجوانب الشكلية في التقارير.
 
خامساً: فتح قنوات حوار مستمرة مع العاملين في الميدان للاستفادة من خبراتهم والاستماع إلى التحديات الواقعية التي يواجهونها عند تطبيق الأنظمة.
 
ختاماً:
 
إن الهدف الأسمى الذي يجمعنا جميعاً هو خدمة الإنسان المحتاج وصون كرامته. ولذلك فإن أي منظومة تنظيمية يجب أن تُقاس في نهاية المطاف بمدى قدرتها على تحقيق هذا الهدف.
 
فالعمل الخيري لم يقم في تاريخ مجتمعاتنا على كثرة اللوائح، بل على الرحمة وسرعة المبادرة. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾.
 
فالفقير لا يحتاج إلى ملف مكتمل…
 
بل يحتاج إلى يد تمتد إليه في الوقت المناسب.
 
وحين تكون الأنظمة خادمة للإنسان، يصبح العمل الخيري أكثر بركة وأعظم أثراً، وأقرب إلى تحقيق رسالته الإنسانية النبيلة.
 
وإننا على ثقة بأن الجهات المنظمة للعمل الخيري حريصة على تطوير هذا القطاع وتعزيز أثره الإنساني، ولذلك يأتي هذا الخطاب بوصفه دعوة مخلصة للمراجعة والتطوير، حتى تبقى منظومة العمل الخيري جسراً سريعاً يصل بين القلوب الرحيمة والناس المحتاجين.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
محب وعاشق العمل الخيري
محمد شندي الراوي