نظرة في تفسير ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾
09-10-2026
نظرة في بعض التفاسير في تفسير قول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، الآية 220: في التفاسير التالية:
(تفسير الطبري – تفسير القرطبي – تفسير ابن كثير – تفسير السعدي – تفسير ابن عاشور)
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.[البقرة: 220].
هذه الآية من أوسع الآيات القرآنية وهي ورؤية متكاملة لبناء الإنسان، ودلالةً على مسؤولية المجتمع تجاه الأيتام؛ فهي لا تقتصر على الأمر بحفظ أموالهم، بل تجعل الإصلاح لهم هو الأصل الذي ينبغي أن تُوجَّه إليه الرعاية والتصرفات، وسأعرض فيما يلي تفسيرها عند عدد من أئمة التفسير .
لقد وقف المفسرون عند هذه الآية وقفات تكشف عن سعة مفهوم الإصلاح في الرؤية الإسلامية. فالطبري يبرز ما في الإصلاح من حفظ لأموال اليتامى وتنميتها، ويحذر من الإضرار بها أو اتخاذ مخالطتهم وسيلة إلى استغلالهم. ويبين القرطبي أن النظر في مصالح اليتيم يمتد إلى تعليمه أمور دينه ودنياه وتأهيله للصناعات والحرف التي يحتاج إليها. ويؤكد ابن كثير أن الميزان في التعامل معه هو الإصلاح الحقيقي، لا مجرد الصورة الظاهرة، وأن الله يعلم نيات المصلحين والمفسدين.
أما ابن عاشور فيتوسع في بيان دلالة الإصلاح، فيجعلها شاملة لتربية اليتيم وتعليمه، ورعاية صحته، ووقايته من الأخطار والأمراض، وتأمين حاجاته الأساسية من الطعام واللباس والمسكن، إلى جانب حفظ ماله وتنميته. وبذلك تتضح دلالة قرآنية عميقة: أن الإصلاح لا يقتصر على جانب واحد من حياة اليتيم، بل يتناول مجموع مصالحه بحسب حاجته وظروفه.
ومن هذا المنطلق، فإن رعاية اليتيم لا ينبغي أن تختزل في مبلغ مالي يُدفع لأسرته، على أهمية النفقة وضرورتها، وإنما ينبغي أن تقوم على رؤية متكاملة تجمع بين الإيواء الآمن، والاستقرار الأسري، والرعاية الصحية والنفسية، والتعليم والتربية، وحفظ الحقوق، والتمكين من العمل والحياة الكريمة.
فاليتيم يحتاج إلى المال الذي يسد حاجته، لكنه يحتاج كذلك إلى بيت يأمن فيه، وأسرة تجد من يساندها، وبيئة تحمي كرامته، وتعليم يفتح أمامه أبواب المستقبل، ورعاية تساعده على تجاوز الصعوبات وتنمية قدراته.
وهكذا يصبح الإصلاح القرآني أساسًا لرعاية تتجاوز إدارة الاحتياجات الآنية إلى بناء الإنسان ومساندته في مراحل حياته المختلفة، بحيث لا يكون هدف الكفالة مجرد استمرار المساعدة، بل تحقيق المصلحة الحقيقية للطفل، وصيانة كرامته، وتهيئة الفرص التي تعينه على أن يعيش حياة آمنة وكريمة، وأن يصبح فردًا قادرًا على الإسهام في مجتمعه.
سياق نزول الآية ومعناها العام
ذكر المفسرون أن المسلمين، بعدما نزلت الآيات التي تشدد في حفظ أموال اليتامى وتحرم أكلها ظلمًا، خافوا من الوقوع في المحظور، فعزل بعضهم طعام اليتيم وشرابه عن طعامه وشرابه، وامتنعوا عن مخالطته في بعض شؤون المعيشة، حتى كان الطعام المتبقي يُترك أحيانًا إلى أن يفسد.
فشقّ ذلك عليهم، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، ثم أذن الله بالمخالطة التي تحقق المصلحة ولا تتضمن ظلمًا أو استغلالًا، وذكر هذا في تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير.
والدلالة هنا أن الخوف من الفساد لا ينبغي أن يتحول إلى إهمال لليتيم أو اعتزال له؛ بل المطلوب هو رعايته وإصلاح شؤونه مع الاحتياط لحقوقه.
نظرة في التفاسير الخمسة:
- تفسير الإمام محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة البقرة، الآية 220، ج 4، ص 350–357 .
يفسر الطبري قوله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ بأن إصلاح شؤون اليتامى وأموالهم خير للولي وأعظم أجرًا عند الله، وخير لليتيم نفسه؛ لما يحققه من حفظ المال وتنميته وعدم إضاعته.
ويشرح أن الإصلاح ينبغي أن يكون خالصًا من الإضرار بأموالهم أو أخذ عوض غير مشروع مقابل رعايتها. ثم يفسر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ بأن مخالطة اليتامى في الطعام والشراب والسكن وسائر شؤون المعيشة جائزة إذا قامت على الرعاية وحسن النظر، لا على الاستغلال.
ومن عباراته في تفسير الآية أن إصلاح أموالهم وأمورهم خير للأولياء في الأجر والثواب، وخير لليتامى في دنياهم لما فيه من حفظ أموالهم.
الدلالة المستفادة
يركز الطبري على ثلاثة أصول:
- أن الإصلاح خير من الإهمال.
- أن مصلحة اليتيم مقدمة على مصلحة من يتولى أمره.
- أن العلاقة باليتيم ينبغي أن تقوم على الإخوة والرعاية، لا على الاستغلال أو الاستعلاء.
وتبرز أهمية هذا التفسير في أنه لا يجعل مجرد الامتناع عن الاعتداء كافيًا، بل يوجه إلى عمل إيجابي يحقق مصلحة اليتيم ويحفظ حقوقه.
- تفسير الإمام محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت 671هـ)، الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة البقرة، الآية 220، ضمن المسائل التي عقدها على الآية.
يذكر القرطبي سبب النزول المتعلق بعزل طعام اليتيم عن طعام وليه، ثم ينتقل إلى الأحكام العملية المستنبطة من الآية.
ومن أبرز ما يقرره أن الإذن بالمخالطة مرتبط بقصد الإصلاح والنظر في مصلحة اليتيم، وأن التصرف في ماله لا يكون مشروعًا لمجرد الولاية أو الكفالة، بل بقدر ما يحقق مصلحته.
ويعرض القرطبي صورًا متعددة من الرعاية، منها:
حفظ المال والتصرف فيه بما ينفع اليتيم.
تنمية المال بالتجارة والاستثمار المشروع.
تعليمه أمور دينه ودنياه.
تعليمه الصناعات والحرف التي يحتاج إليها.
الإنفاق على مصالحه بحسب حاله وحجم ماله، دون إسراف أو تقصير.
التمييز بين التصرف القائم على النظر والمصلحة والتصرف الذي يقوم على المحاباة وسوء التدبير.
ومن عباراته المهمة في هذا السياق أن ظاهر الآية يدل على أن ولي اليتيم يعلمه أمر الدنيا والآخرة، ويستأجر له ويؤاجره ممن يعلمه الصناعات.
الدلالة المستفادة
تظهر في تفسير القرطبي نقلة مهمة من حفظ المال وحده إلى الرعاية العملية المتكاملة؛ فالإصلاح يشمل التعليم والتأهيل والتدبير المالي، ويقتضي أن ينظر الولي في احتياجات اليتيم الفعلية.
وهذا أصل مهم في العمل الخيري المعاصر؛ لأن حماية أموال الطفل لا تغني عن تعليمه، وتعليمه لا يغني عن توفير الرعاية اللازمة لنموه، كما أن النفقة لا تبرر إهمال مستقبله المهني والاجتماعي.
- تفسير الإمام إسماعيل بن عمر بن كثير ابن كثير (ت 774هـ) تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة البقرة، الآية 220. في ج 1، ص 582.
يفسر ابن كثير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ بأن إصلاح شأن اليتيم خير من اعتزاله وترك مخالطته، ويشرح الإذن بالمخالطة من خلال مشاركة الطعام والشراب، ما دام ذلك لا يؤدي إلى الاعتداء على حقه.
ويؤكد أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ يشير إلى علم الله بقصد الإنسان ونيته؛ أيريد الإصلاح والرعاية أم يريد الاستغلال وأكل المال.
الدلالة المستفادة
يبرز ابن كثير أهمية النية الصالحة المقترنة بالعمل الصحيح. فليس المطلوب أن يُظهر الإنسان العناية باليتيم أمام الناس فحسب، وإنما أن تكون معاملته له قائمة على حقيقة الإصلاح.
ويمكن الإفادة من هذا المعنى في العمل المؤسسي أيضًا: فحسن النوايا وحده لا يكفي من دون أمانة مالية، ومتابعة حقيقية، وإجراءات تحمي الطفل من الإهمال والاستغلال.
- تفسير الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت 1376هـ) ، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تفسير سورة البقرة، الآية 220، ص 164
يشرح السعدي الإصلاح بأنه حفظ أموال اليتامى وصيانتها والاتجار فيها بما ينفعهم، ويبيّن أن مخالطتهم في الطعام وغيره جائزة إذا لم تتضمن إضرارًا بهم.
كما يلفت إلى أن الميزان في هذه المعاملة هو النية والعمل معًا؛ فمن قصد مصلحة اليتيم لم يكن عليه إثم فيما يقع عرضًا من غير قصد، أما من اتخذ المخالطة وسيلة للوصول إلى مال اليتيم وأكله فقد وقع في الإثم.
ثم يستنبط من الآية قاعدة مهمة، وهي أن الأحكام الشرعية قائمة على الحكمة، وأن الشريعة لا تقصد إلى المشقة لذاتها، بل تراعي المصالح وتدفع المفاسد.
الدلالة المستفادة
يقدم تفسير السعدي تصورًا واضحًا للعلاقة بين الرحمة والمسؤولية: فالإحسان إلى اليتيم لا يتحقق بالابتعاد عنه خشية الخطأ، بل بالقيام على مصالحه مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحفظ حقوقه.
وهذا يبين أن الحماية الحقيقية ليست في الامتناع عن كل تصرف، وإنما في معرفة التصرف الصحيح، وممارسة الرعاية بطريقة مسؤولة.
- تفسير العلامة محمد الطاهر ابن عاشور (ت 1393هـ) ، التحرير والتنوير، تفسير سورة البقرة، الآية 220، ج 2، ص 355–359
يمثل تفسير ابن عاشور من أهم المراجع التي يمكن الاستناد إليها عند تطوير مقال عن الرعاية المتكاملة للأيتام؛ لأنه يتناول دلالة لفظ «الإصلاح» بصورة لغوية وتفسيرية واسعة.
- شمول معنى الإصلاح
يشرح ابن عاشور أن الإصلاح هو جعل الشيء صالحًا، وأن الصلاح يقابل الفساد. ثم يوسع دلالة الآية لتشمل مصالح اليتيم المختلفة، ولا يحصرها في إدارة المال.
ومن عبارته في بيان هذا المعنى:
«والمقصود هنا جميع الإصلاح لا خصوص إصلاح ذواتهم».
ثم يذكر أن هذا الإصلاح يشمل إصلاح ذواتهم، وعقائدهم وأخلاقهم بالتعليم الصحيح والآداب الإسلامية، كما يشمل المحافظة على صحتهم، ووقايتهم من الأخطار والأمراض، وعلاجهم، وتأمين الطعام واللباس والمسكن لهم بحسب ما يناسب أحوالهم، فضلًا عن حفظ أموالهم وتنميتها.
وهذه الدلالة مهمة جدًا؛ لأنها تبيّن أن الإصلاح القرآني ليس عملية جزئية تتعلق بمال اليتيم وحده، بل هو نظر في مجموع مصالحه.
- أهمية اختيار لفظ «لهم»
يلفت ابن عاشور النظر إلى التعبير القرآني: ﴿إِصْلَاحٌ لَهُمْ﴾، بدلًا من الاقتصار على تعبير «إصلاحهم».
ويشرح أن الصياغة القرآنية تتسع لمصالح اليتيم كلها، ولا توهم حصر الإصلاح في ذاته وحدها أو في جانب معين من شؤونه.
وهذا استنباط لغوي وتفسيري لابن عاشور، وليس نصًا مستقلًا يعدد جميع البرامج الحديثة لرعاية الطفل. لكنه يوضح سعة اللفظ القرآني وإمكان تطبيق معناه على صور متعددة من الرعاية المشروعة.
- الإصلاح في المال والجسد والتربية
من أبرز ما يميز تفسير ابن عاشور أنه يجمع بين مجالات قد يتعامل معها الناس منفصلة:
الإصلاح التربوي: التعليم الصحيح، وتهذيب الأخلاق، وتنمية المعرفة.
الإصلاح الصحي: الوقاية من الأخطار والأمراض والعلاج عند الحاجة.
الإصلاح المعيشي: توفير الطعام واللباس والمسكن المناسب.
الإصلاح المالي: حفظ المال وتنميته والتصرف فيه بما يحقق مصلحة اليتيم.
وتظهر هنا رؤية شمولية للرعاية؛ فليس من الكافي أن يكون مال اليتيم محفوظًا إذا كان تعليمه مهمَلًا أو صحته مهددة أو معيشته مضطربة.
الدلالة المستفادة
إن تفسير ابن عاشور هو من أوضح النصوص التفسيرية التي تسند الفكرة القائلة إن رعاية اليتيم ينبغي أن تتناول الإنسان في جوانبه المختلفة، مع مراعاة اختلاف احتياجات الأطفال وأحوالهم.
ومن المهم علميًا التمييز بين ما نص عليه ابن عاشور صراحة، كالتعليم والصحة والطعام واللباس والمسكن والمال، وبين التطبيقات المؤسسية المعاصرة التي يمكن استنباطها من هذه المعاني، كخطط الرعاية الفردية والمتابعة النفسية والتمكين المهني.
ماذا تعني الآية في واقع رعاية الأيتام اليوم؟
بعد استعراض هذه التفاسير، يمكن استخلاص مجموعة من المبادئ التي تساعد على تحويل الدلالة القرآنية إلى ممارسة عملية، مع التأكيد أن التطبيقات الآتية استنباطات معاصرة وليست نصوصًا حرفية عن المفسرين.
- الإصلاح السكني والاستقرار
توفير مأوى آمن ومستقر، ومساندة الأسرة للحفاظ على منزلها متى كان ذلك مناسبًا، بما يساعد الطفل على الدراسة والنوم والشعور بالانتماء.
- الإصلاح النفسي والاجتماعي
صيانة كرامة اليتيم، والاستماع إليه، ومساندته في مواجهة الفقد، وحمايته من الإهانة والعزلة والاستغلال.
- الإصلاح التعليمي والتربوي
متابعة التعليم، ومعالجة التعثر الدراسي، وتنمية الأخلاق والمهارات، واكتشاف المواهب والقدرات.
- الإصلاح المالي والمؤسسي
حفظ أموال الأيتام والتبرعات المخصصة لهم، والشفافية في إدارتها، والرقابة على الإنفاق، وربط الموارد باحتياجات الأطفال الفعلية.
- الإصلاح التنموي والتمكين
إعداد اليتيم للحياة المستقبلية من خلال التعليم والتدريب المهني وبناء المهارات، حتى تتسع أمامه فرص الاستقلال والعمل والإنتاج.
محب الايتام
محمد شندي الراوي
المراجع:
- الطبري، جامع البيان، تفسير البقرة: 220
- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير البقرة: 220
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير البقرة: 220
- السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير البقرة: 220
- ابن عاشور، التحرير والتنوير، تفسير البقرة: 220
